النّمطية من أجل عالم ديمقراطيّ غير متعدّد!/أروى الكعلي
لم تجد هيلاري كلنتون لدى زيارتها الفيتنام مستوى كافيا من الديمقراطيّة. وبالرّغم من تعهّد الولايات المتحدة بتعزيز علاقاتها مع الفيتنام، فإنّ كلنتون لم تخف تحفظها فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان والحقوق الأساسية في البلاد. إنّ الحلم الأمريكي الأكثر توارثا على مرّ العصور يبقى بناء ثقافة نمطية واحدة ودعمها بشتى السّبل. وتبرز الدّعوة إلى الدّيمقراطيّة كأنجع الوسائل لتحقيق ذلك. إنّ توجيه الاتّهامات إلى دول كثيرة من العالم الثّالث بعدم احترام حقوق الإنسان وعدم تطبيق نظام ديمقراطيّ معاصر تهمة يمكن أن تلصق بكلّ من يزعج الولايات المتحدة. في الآن ذاته تبرز الدّيمقراطيّة كتاج ‘ملائكي’ على رأس الولايات المتحدة التي تقف حارسة لحقوق الإنسان والحريّات في العالم. إلا أنّ النظام الدّيمقراطيّ كغيره من الصّور النّموذجيّة الأمريكيّة لا يحمل الحقيقة الكاملة ويمكن أن يطبّق بأشكال مختلفة حسب خصوصيّات كلّ بلد. غير أنّ مفردات مثل “مختلفة” و”خصوصيّات” ليست من سمات الإستراتيجية الأمريكيّة المروّجة للعولمة.
عندما وقفت فرنسا ضدّ النّمطية الثّقافيّة في أوج التّرويج لفكر العولمة كانت تسعى إلى حماية الثّقافة الفرنكوفونيّة لغة وتاريخا. إلا أنّ الفرنسيّين اليوم يواجهون كغيرهم النّمط الثّقافيّ الواحد الذي يغزو بلادهم يوما بعد يوم. فالفرنسيون أنفسهم أصبحوا يستخدمون عبارات كثيرة من اللّغة الانقليزية ويستهلكون منتجات مختلفة تروّجها الشّركات متعدّدة الجنسيّات إلى مختلف أنحاء العالم.
لقد تمكّنت الولايات المتحدة وفي وقت قصير من نشر ثقافة نمطيّة واحدة تقوم أساسا على نشر اللّغة الانقليزيّة بدعوى أنّها اللّغة الأولى في العالم وأنّه من غير المنطقيّ أن تنجز الصّفقات وتتمّ المعاملات أو حتى المحادثات على الشّبكات الاجتماعيّة بلغة غير الانقليزية. وشاء العالم أم أبى تعمل محرّكات البحث على شبكة الأنترنت بشكل أنجع إذا ما استخدمت اللّغة الانقليزيّة. وبالرّغم من أنّ الشّبكة العالميّة الضّخمة تقوم على تخزين أكبر عدد من المعلومات التي تتصف بالتنوّع والشمولية، فإنّها ليست بالضرورة أداة لتكريس ثقافة الاختلاف والتعدد. صحيح أنّ “تقنيات الاتصال الحديثة قد أفضت إلى ظهور عصر المعلومات” كما قال كوفي عنان، إلا أنّ هذا الانفجار الكبير في المعلومات لم يفرز في المقابل نفس التعدد أو التنوّع المنتظر ليس فقط لإنّ تخزين المعلومات ومعالجتها يعتمد أساسا على لغة واحدة هي الانقليزية ولكن نظرا إلى نمطية تصنيف هذه المعلومات و كيفيّة الحصول عليها. فإذا كتبت كلمة “صداقة” مثلا على أحد محرّكات البحث فسيحصل الباحث على نفس النّتائج التي سيحصل عليها أيّ مستخدم أنترنت آخر يكتب نفس الكلمة. ممّا يعني أنّ العالم بأسره يستفيد من شبكة الأنترنت على نفس الشّاكلة. فإذا بحثنا عن نفس الأشياء نجد النّتائج ذاتها ولذلك تفسير واحد نحن جميعا نعتمد وسيلة واحدة. إنّ إمكانيّة التّواصل وتبادل المعلومات بشكل غير مسبوق يحيل مباشرة على مفهوم القرية الواحدة التي تحيل بدورها على مفهوم العولمة. ما الذي يمكن أن يحوّل هذا المفهوم إلى واقع غير نشر ثقافة واحدة؟
لعلّنا نشاهد جميعا وبشكل يوميّ أحيانا أفلاما أمريكيّة لكنّنا لا نقتنيها أو نبحث عنها بل تأتينا مباشرة عبر قنوات عربيّة، مترجمة إلى العربيّة وإلى كلّ لغات العالم. لطالما كانت صناعة السّينما أنجع الوسائل الأمريكيّة إلى تكريس نمط عيش واحد. إنّ عمليّة إنتاج هذا المحتوى تخضع إلى محدّدات صارمة تقدّم منتوجا أكثر قابليّة للتماشي مع الثّقافات المختلفة. بمعنى آخر هو منتج أمريكيّ لكن يمكن أن يقبل في أوروبا وآسيا وإفريقيا في الآن ذاته. إنّ تعديل هذا المنتوج ليصبح مقبولا في العالم بأسره وتمرير أفكار مدروسة بين الفينة والأخرى من شأنه أن يحدد تصوراتنا عن الحب والعمل والعلاقات دون أن نشعر بأنّ هذا المضمون مختلف عنّا كثيرا بل بالعكس هو مضمون إنسانيّ أكثر من أن يكون حاملا لخصوصيّة ثقافيّة واحدة. ممّا يساعد على تعزيز شعور التّماهي لدينا وإسقاط ما نشاهده على حياتنا اليومية. وإن كان عديد المنظرين في مجال الاتصال قد أشاروا إلى مسألة الإسقاط والتماهي هذه التي تحدث بشكل لا إرادي فكيف لا ونحن نشاهد شخصيات تعبر عن مشاعرنا وأفكارنا دونما اختلاف كبير؟
لكنّ ما تتغذى عليه عقولنا من أفلام أمريكيّة لا يختلف عما يغذي أجسادنا، فقد تمكنت سلاسل المطاعم العالميّة من نشر الطعام السريع في كامل أنحاء العالم. وقد تحدّث كتاب The Mcdonaldization of Society عن الدّور الذي لعبته سلسة ماكدونالد في نشر ثقافة استهلاكيّة موّحدة.
ففي نهاية المطاف ما الذي يجعلنا نتناول الهمبرغر ونسعى إلى مشاهدة الأفلام التي تحصد أكبر نسب مشاهدة أو قراءة الكتب التي تتصدر قائمة ذي نيو يورك تايمز مثلا؟ إنّه ببساطة اقتناعنا بأنّ مقياس الجودة هو عبارة “صنع في أمريكا” ونحن علينا أيضا أن ننخرط في هذه المنظومة الموحدة حتى لا ننعت بالمتخلفين. إنّ محاولاتنا مواكبة هذه الثّقافة بشكل مستمر يعكس سعينا إلى إرضاء رغبتنا في الانتماء. فقد أثبتت عديد الدّراسات السوسيولوجية أنّ الفرد يرفض أن يعلم أنّه على اختلاف مع المحيطين به لذا فهو يرغب في الخروج من عزلته والتواصل مع الآخر من خلال مشاركته آراءه. لكنّ مفهوم الانتماء نفسه أصبح معقدا بشكل كبير. فإن أصبحت الأنترنت تمكنني من التواصل مع العالم، فهل أنتمي إلى العالم ؟ وماهي حدوج هذا العالم. لكن في الآن ذاته كيف يمكن للعالم أن ينعتني بعربّي أو آسيوّي أو إفريقيّ ؟ فكيف يمكن لي أن أحدد درجات انتمائي وخصوصياته؟
إنّ مسّبب هذه الثّقافة النمطية وهذا التّضارب في المفاهيم هو ذاته الغاية منها. فالشركات متعددة الجنسيات التي تغرق العالم بمنتوجاتها من طعام وكتب وأفلام تصنع نمطا ثقافيا واحدا يكرس فردا يشبه المستهلك إلى حد كبير فتتمكن من ترويج منتجاتها. وفي الآن ذاته فإنّها تسعى إلى إنتاج هذا الفرد على أرض واقع حتى تتمكن من مواصلة ترويج منتجاتها وتوسيع ربحها. وتمكن هذه النّمطية وهذا التّرابط العالمي خاصة على المستوى الاقتصادي من تقريب المصالح وخلطها. وفي حال حدوث أزمة يمكن أن يضمن ذلك ألا يكون المتضرر جانبا واحدا بل العالم بأسره حتى لا تصعد قوى على حساب أخرى.
وليس من المستغرب أن تبتدع الولايات المتحدة الأمريكية ثقافة العولمة ذلك أن تاريخ هذا البلد يعود تقريبا إلى مائتي سنة وليس بإمكانها منطقيا منافسة ثقافات وحضارات ضاربة في القدم. وباعتبار أنّها القوة العظمى في العالم، فمن غير المنطقي أن تكتفي بسيادة المال والسياسة في حين تترك العقول حرة لتفلت منها. كان على الولايات المتحد أن تتنح فكرا ثقافيا يخدمها ويحمي مصالحها الاقتصادية والسياسية ويطمس شيئا فشيئا خصوصيات الثقافات الأخرى وميزاتها. وباختلاف التّحليلات المفسرة لغزو العراق، لا يمكن للعالم أن ينسى صور المتاحف العراقية التي تعرضت للنهب والسرقة أمام عيون الجنود الأمريكيين.
وإن حاولت أي دولة أن تقدم تصورا مخالفا للعالم، عليها أن تواجه أوّلا اتهامات الولايات المتحدة بالإرهاب أو التخلف أو عدم احترام حقوق الإنسان. وإن كانت الدّيمقراطيّة تقوم أساسا على التّعدديّة كيف من الممكن أن تسعى الولايات المتحدة إلى نشر الديمقراطية وتكريس فكر العولمة غير المتعدّد في الآن ذاته؟ ومن السهل جدا أن تنتقد الولايات المتحدة دولا كثيرة لأنّها لا تطبق النظام الديمقراطي لكنّها تمنع تشكيل أي أحزاب تقوم على الشيوعية داخل الولايات المتحدة.
عندما يتحدث مواطن أمريكي عن ‘العالم’ فإنّه يقصد عادة الولايات المتحدة الأمريكيّة ولا يقصد العالم الذي نعرفه نحن بالضّرورة.صورة العالم اليوم تبدو ذات خصوصيّات محددة تقوم على الفردانية والرأسمالية وتذكرنا بأفكار الأشرار في أفلام الكرتون القديمة الذين يحاولون جاهدين السّيطرة على العالم، فهل كان من الممكن أن يجدوا أداة أفضل؟









ففي نهاية المطاف ما الذي يجعلنا نتناول الهمبرغر ونسعى إلى مشاهدة الأفلام التي تحصد أكبر نسب مشاهدة أو قراءة الكتب التي تتصدر قائمة ذي نيو يورك تايمز مثلا؟ إنّه ببساطة اقتناعنا بأنّ مقياس الجودة هو عبارة “صنع في أمريكا” ونحن علينا أيضا أن ننخرط في هذه المنظومة الموحدة حتى لا ننعت بالمتخلفين. إنّ محاولاتنا مواكبة هذه الثّقافة بشكل مستمر يعكس سعينا إلى إرضاء رغبتنا في الانتماء.